لِماذا يقع الفأرُ في المِصيدة؟

ظلت هذه العبارة —التي قرأتها يومًا في مكانٍ ما— تتردّد في ذهني طوال قراءتي للمسرحية، وترافقني من مشهدٍ إلى آخر، لتذكّرني في كل مرة بسبب وقوع الفأر في المصيدة.

فالجبنُ الطازج، النظيف، الشهيّ، ثم إنه مجانيّ؛ كل ذلك كفيل بأن يعمي أبصار الفئران عن حقيقة المصيدة. فيندفع الفأر نحوها بلهفة، نحو نهايته، من غير أن يتوقف لحظةً واحدة ليسأل.

ولو أنه توقّف قليلًا، ونظر —بصيرةً لا بصرًا— وسأل سؤالَ الواعي: لماذا يُقدَّم لي هذا الجبن الفاخر بلا مقابل؟

لرأى المصيدة، ورأى الحقيقة، ولظلّ حيًّا حرًّا.

لكنّه اختار العمى على الوعي، واختار اللذّة على الحذر، وفضّل نعيم الجهل الذي ساقه في النهاية إلى الهلاك.

فكل ما يبدو بلا مقابل، غالبًا تُخبّئ كلفته في مكان آخر.

فالجبن المجانيّ ليس مجانيًّا أبدًا؛ إنما ثمنه مؤجّل، يُقتطع من حرية الفأر أو حياته. وما يُعطى بلا مقابل، يُستعاد لاحقًا مضاعفًا.

وهذه المصيدة لا زالت إلى اليوم تنصب، وإلى اليوم تغلف ببهرج مجانيّ، وإلى اليوم ينتظرون منا أن نهرع إليه وننسى ما عداه، فيصير شغلنا الشاغل، حتى إذا جاء أحدهم ليرينا حقيقته قائلاً: هذه مصيدة!، نردّ عليه: ولكن هذا جبن!

الشعير المجانيّ.

وهذا ينطبق على المسرحية أيضًا، تعددت المصائد والملذات ولكن ظلّت الفكرة واحدة، فمرّة أحواض شعير وخرفان ومركبات، ومرة مصائد جبن وفئران، وفي كلّ مرة يقعون في الخطأ ذاته!

الرمزيّة.

لن أقدم شرحًا لمشاهد أو شخصيات أو نبذة عنها.. إنما هذه المراجعة لأعرض الأفكار، أما الباقي فليبحث عنه القارئ في الكتاب، ولنتذكر أن كلّ ما هو رمزيّ له إسقاطات كثيرة، ورؤى متعددة، فذهنُ ابن آدم ليس واحدًا، حتى إن اثنان ما قد يعيشان الحياة ذاتها في ذات البقعة والتفاصيل ثم يخرجان بفكرٍ مختلف وأذهانٍ مغايرة تمامًا، كما لا تتشابه بصمات ابن آدم مع أي أحد في العالم فكذلك ذهنه.

هذه الرّمزية ستطرق إحدى حجرات عقلك فيصحو على طرقها ما فيها، إذّاك ستسقطها على ما تريد وستفهمها كما تريد، ستصير الخرفان شيئًا والأحواض شيئًا والراعي والكلب وهي كلها، حسب أي حجرة قد اخترتها لتُطرق دون أن تشعر.

تغاير.

في الصفحة الثامنة والعشرون “يمين” يقرّ تبنان العجوز بأن نعيم الخرفان في كثرة الإنجاب حيث يزيد الأكل ويطيب الشرب ويهنأ الانبطاح، ثم يسأل “استفهام تقريري غرضه التوكيد “وهل للأغنام مطلب غير الشرب والأكل والانبطاح؟”.

تقابلها الصفحة التاسعة والعشرون “يسار” للخروف الأسود الهزيل، الذي ضاق ذرعًا بالحبل الذي ربط به، وكانت أول صفة وُصف فيها بعد لونه وحجمه هي “يرفض الانقياد، ويحاولُ الإفلات”.

وأُثبت ذلك في أول مشهدٍ له إذ احتاج الراعي ليجره بقوة حتى ينصاع ذلك العنيد الذي لم يغريه الشرب والأكل والانبطاح داخل الشبك، رغم أن تبنان كان يُؤكد لنا قبل صفحة واحدة فقط بأنه كل مطلب ونعيم الخرفان!

وهنا نلحظُ عنها أول تغايرٍ جليّ بين الشخصيتين. التي حُمّلت كلّ واحدة منهما فكرة مغايرة لتعرضها على القارئ.

عندما كنتُ أقتبسُ من الرواية فأكتبُ الاقتباسات في الملاحظات، انتبهت إلى أنني اقتبستُ في البداية كثيرًا من أحاديث تبنان، ثم بعد ظهور الأسود صارت الاقتباسات لكلامه، فوجدتني -لكأنما صنعت لهما بهذا جدول مقارنة- ألحظ التباين أكثر وأكثر في الفكرة والكلمة التي يحملها كلٌّ منهما، والضفة المغايرة للآخر التي يقف عليها كلّ واحد.

“التفكير يُفسدُ التأقلم”.

أحد أفكار تبنان العجوز التي سيطرت على المسرحية وظلت حاضرة حتى الصفحة الأخيرة، وهو التأقلم بوصفه فضيلة عليا، لكن تبنان في الحقيقة يفرغه من معناه الطبيعي ليحوّله إلى وسيلة لمنع التفكير. فبدل أن يكون التأقلم استجابة ذكية لتحديات الحياة، يصبح في خطابه استسلامًا منظمًا لواقع لا يريد تغييره، حيث صار التأقلم غطاءً ناعمًا للهيمنة، يدفع القطيع إلى الطاعة عبر الخوف من العجز بدل الرغبة في الحرية.

في خطاب تبنان، التأقلم ليس حكمة وجودية؛ بل عقد إذعان: طول العمر مقابل الخضوع. يفترض أن البقاء هو القيمة العظمى، مهما كان الثمن، حتى لو كانت الحياة مجرد جرّ نفس في قطيع لا يفكّر. لكنه بذلك يلغي البعد الإنساني الموجود داخل الأغنام في المسرحية؛ يلغي حقها في الرفض، في القلق، في التساؤل. وهنا يأتي صوت الأسود ليكسر هذا المنطق، عندما يذكّرهم بأنّ “أول شيء يجب أن نفعله لكي نتحرّر هو أن نرفض التأقلم”. هذا الرفض لا ينقضّ على الحياة؛ بل يحاول استعادتها من قبضة الخوف.

حين يطلب تبنان منهم “التأقلم مع الفراق” لا يقول ذلك تعزيةً لمن يتألمون، بل كي يُعطّل ردّ فعلهم الطبيعي تجاه القسوة. إنّه يمنح الألم قشرة فلسفية ليبقى النظام قائمًا بلا مقاومة: إذا تأقلمت مع الفراق، مع الألم، مع الظلم، مع الموت… فلن تعود ترى شيئًا منها خطأً أو خطرًا. التأقلم هنا يصبح شكلًا من التنويم المعنوي الذي يهدف إلى شلّ قدرة القطيع على رؤية أن المشكلات ليست حتميّة، بل مصنوعة.

بينما يدعو تبنان إلى التأقلم حتى يفقد الفرد حساسيته، يتمسّك الأسود بفكرة نقيضة: أن الحرية لا تُنال بالتدريج، بل بالبداية من لحظة رفض واحدة. رفض التأقلم هو في جوهره رفض السلوك الذي يجعل الظلم مقبولًا والاعتياد غطاءً للاستبداد والبقاء أهمّ من الكرامة. لذا يبدو الأسود قادرًا على التأقلم لكنه “لا يريد”.

حوض الماء..

أرى أن رمزية الحوض تكمن في أنه المورد الذي يمنح الحياة لكنه يأسر من يعتمد عليه.

بدليل أن الأسود يقول: لولا الحوض لما احتجنا إلى راعٍ. هذا يعني أن الحوض هو أداة سلطة مانحة، مثل أيّ نظام سياسي يؤمن للفرد مصدر رزق، نظام غذائي، راتب، قانون، حماية، فلا يعود بإمكانه الاستغناء عنها، إذ كلها تُبقي الفرد تابعًا لمن يملكها.

فالراعي الذي يملأ الحوض باستمرار، والأغنام التي لا تستطيع العيش بدونه. يمثلان السلطة المانحة للموارد والشعب الغارق في احتياجاته فلا يستطيع رفع رأسه لينظر إلى ما عداها.

لهذا يشعرك الحوض أثناء قراءتك بأنه رمز للاعتماد والاحتياج الذي يُبقي القطيع تحت السيطرة، خاضعًا لمن يزوّده بالضروريات، فهي تبقيه حيًّا ولكن تابعًا.

وهذا مُشاهدٌ في التاريخ، فكثير من الحكومات كانت تستند على توفير الحد الأدنى من البقاء، لتضمن بقاء التبعية. وهذا يذكرني بالحوض الفارغ الذي ظلوا بحاجته حتى جاء الراعي فملأه، وإذا فرغ عادوا لانتظار هذا الحد الأدنى الذي يبقيهم على قيد الحياة، دون أن يفطنوا إلى أنه يبقيهم تابعين.

وهم للسيطرة يعتمدون على الإعطاء ولو بحدّ أدنى أكثر من المقاتلة بسيف التجويع لأنه يوقظهم ويسبب الثورات ضدهم.

وحتى على صعيدٍ أخفّ، في البيوت قد تسمع أحدهم يقول: “لولا هذا لما ظللت هنا يومًا ولما احتجت إليهم” وهي تشبه نوعًا ما جملة الأسود، وقد حدث أن لاقى الكثير الضيم والظلم في بيوتهم ولأجل هذا المورد الذي يمنحهم إياه من يحكمهم لا يقدرون على الخروج.

وقياسًا على العبيد فإن أسيادهم “الحوض” كانوا يظلون يمنحنوهم ما يبقيهم على قيد الحياة “الماء”.

وفي فترة استعباد الزنوج لدى الغرب لوحظ أنهم يتبعون هذه الطريقة، التي يقدمون فيها للعبد موارده واحتياجاته كيلا يهرب منهم فيفقدون سلطتهم عليه، لأنه إن فكر بالهرب سيسأل نفسه: “من أين لي إحضار هذه الحاجيات” وهو السؤال الذي كان الأب تبنان يحثّ القطيع على أن يسألوا أنفسهم إيّاه.

وقد فرّقت بين الحوض والماء الذي فيه، لأني ببساطة لم أستطع إلا أن أفعل هذا وما شجعني أكثر هو نعيمة عندما سألت ومن يريد حوضًا لا ماء فيه؟

أي أنهم يفصلون بين الحوض والماء، فالحوض الذي يحوي الماء هو الحكم الذي بيده أن يعطي المورد أو يمنعه، والماء الذي في قلبه هو الحاجة ذاتها والمورد المبتغى، ولأن الماء أساس الاحتياجات جُعل ليرمز لحاجة الإنسان كلها، ولأن الحوض هو الذي يحويه فأرى أنه اليد التي تملك وتعطي حسب تقديرها.

في الخلاصة أقول أن حوض الماء في مسرحية الأسود ليس مجرد مصدر للحياة، بل رمز لآلية السلطة التي تبقي القطيع متعلقًا بها عبر الحد الأدنى من البقاء. الماء يمثل الوعي الجزئي أو الامتياز الذي يمنع الخرفان من الثورة، وقد أدرك الأسود أن التحرر يبدأ حين تنفصل حاجاتك عن أدوات السلطة، لذلك يربط الهروب بلحظة شرب الماء الأخيرة.

هل كتب البصيص عن الثورة السورية؟

جليًّا أنَّهُ لا، لكنّها الرمزية التي تجعلك تلقي بظلال ذهنك على الأشياء فتصورها لك كما تريد أو لا تريد.

فالأب تبنان كان يمثل من نسميهم في سوريا “جماعة كنّا عايشين” وقد صار هذا اسمًا دابقًا فيهم، فإذا أردنا أن نشير لمن كان يقول لنا “كنا نأكل ونشرب على عهد الأسد، لم يكن ثمة مخيمات ولا قصف!” فنقول هذا من جماعة “كنا عايشين” وهم يكادون يكونون في سوء الأعداء، الذين يقعدونكم عن طلب الحرية لأجل المأكل والمَشرب، وهؤلاء أجابوهم أمثال الأسود بقولهم “لكنها ثورة كرامة وحرية، ليست ثورة جوع!”.

أما الشاحنة التي لا يُعرف مصير من فيها، فهي التي نسميها” ما وراء الشمس” وأيضًا “المسالخ البشريّة!”.

وكيلا يحلّ دورنا للرّحيل فيها فكنّا لا ننفك نقول مُذكرين “للحيطانِ آذان”.

لا أنكر أنّي بكيتُ كثيرًا، لا عند قراءتها، ولا عند الفراغ منها، إنما عند لحظة واحدة، هي التي كنتُ فيها أضع فيها الشخصيات مواضعها، وأرتب الأمور في الأمكنة التي ينبغي لها أن تكون فيها، الشاحنات، حوض الماء، الشبك، القضبان، القطيعُ والراعي..


الصورة الأساسية لـ كامين نيكولوف.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *