كيف نخدع أنفسنا حتى ننام بسلام؟

إبراهيم قاري


تأبى النفس البشرية، في أعماقها، أن تستسلم لفكرة الدونية أو الخطأ البحت. إنها تسعى جاهدة للحفاظ على صورة ذاتية متماسكة ومقبولة في ميزانها الأخلاقي الداخلي، حتى في مواجهة السلوكيات التي تتعارض بشكل صارخ مع مبادئها. هذه الحاجة تتجاوز حدود الترف، لتصبح ضرورة للبقاء النفسي؛ فمن دون هذا التماسك، ينهار الجسر بين الفعل والقيمة، وتغرق الذات في مستنقع من الصراع الداخلي الذي لا يُطاق.

إن الضمير الداخلي، أو الوجدان، هو القوة العقلية التي تدرك بالبداهة صفة الثبات في المبدأ الأخلاقي. وعندما يرتكب الفرد فعلًا يهدد هذا المبدأ، لا يميل العقل إلى الاعتراف بالخطأ المطلق، بل يخوض في عملية معقدة من تقنين الخطأ، حيث ينطوي هذا التقنين على إنتاج فلسفة خاصة تسمح له بالنظر إلى فعله على أنه مبرَّر، أو ضروري، أو حتى فضيلة في سياق معين. كما أن هذا التبرير يتعدى كونه موجهًا للآخرين، ليصبح في جوهره حوارًا داخليًا يهدف إلى تخدير صوت الضمير.

هذا يقودنا إلى تساؤل أعمق: كيف يتم هذا التقنين؟ وما هي الآليات التي يتشكل من خلالها هذا التبرير الذاتي ليصبح جزءًا من الرواية الشخصية؟ الإجابة تكمن في مجموعة من الاستراتيجيات المعرفية التي تعمل كدرع واق ضد وخز الضمير، وتسمح للفرد بممارسة سلوكيات غير أخلاقية مع الاحتفاظ بشعور جيد تجاه الذات.

التزييف الذاتي: رقعة على جدار النزاهة الذاتية

إن جوهر عملية تقنين الخطأ ينبع من رفض العقل للتنافر الداخلي. فالإنسان مفطور على السعي نحو الاتساق بين ما يؤمن به وبين ما يفعله. وعندما يحدث هذا التضارب بين القيمة التي نعتنقها والفعل الذي نرتكبه، ينشأ ألم نفسي عميق يهدد استقرار الذات. إن الاعتراف بالخطأ المطلق يعني قبول أن الصورة الذاتية قد تحطمت، وأننا أصبحنا “أشرارًا” في نظر أنفسنا، وذلك ما يمثل عبئًا لا يمكن تحمله في الحياة اليومية. لذلك يختار العقل طريقًا ثالثًا: التعديل المعرفي. حيث إنه لا يغير الفعل الذي وقع، ولا يتخلى عن المبدأ الأخلاقي بشكل صريح، بل يضيف تبريرات منطقية – في نظره – تجعل الفعل يتسق مع المبدأ. هذه التبريرات هي بمثابة رقعة تُوضع على ثقب في جدار النزاهة الذاتية، تحول دون انهيار الجدار بالكامل. فالشرير، في حقيقة الأمر، لا يرى نفسه شريرًا. وإنما يرى نفسه شخصًا يمارس فعلًا مبررًا ضمن سياق خاص، أو يدافع عن مبدأ أعلى، أو يستجيب لضرورة قاهرة. هذه الحاجة الملحة إلى التبرير دليل قاطع على أننا لا نستطيع أن نعيش مرتاحين مع فكرة أننا شر مطلق. العقل يدفع ثمنًا باهظًا للحفاظ على هذا التوازن النفسي المؤقت، ثمن يتمثل في التضحية بالوعي الصادق.

التطهير اللغوي: رفع الحمولة الأخلاقية عن الفعل

تبدأ العملية بإعادة صياغة الفعل، إذ تتجنب الذات التصريح بالوصف الأخلاقي الأصلي الحقيقي. هذا التجريد اللغوي للفعل من حمولته الأخلاقية السلبية هو الخطوة الأولى لتوفير قراءة أولية للمشهد تختلف عن الحقيقة المجردة. فلا تقول الذات “أنا أسرق”، بل تستعيض عنها بـ “أنا أسترد حقي” أو “أنا آخذ ما هو مستحق لي من إدارة ظالمة”. هذا التلطيف اللغوي ينزع عن الفعل وصمة العار الأخلاقية، ويحوله من فعل شائن إلى إجراء إداري أو استرداد لحق. في سياقات أخرى، قد يتحول “الكذب” إلى “دبلوماسية” أو “تكتيك ضروري”، مما يقلل من وطأة الفعل على الضمير.

ويتبع ذلك تبرير النيات، حيث يتم تحويل الدافع من رغبة شخصية أو الشر الصرف إلى ضرورة قاهرة أو هدف نبيل. فمن جهة، قد يتبنى الفرد منطق أن الغاية تبرر الوسيلة، فيرى أن فعله – رغم كونه خاطئًا في ظاهره – يخدم هدفًا أخلاقيًا أعلى، مما يجعل الخطأ تضحية ضرورية لتحقيق مصلحة أسمى، كشهادة الزور لتحصيل حق ضائع. ومن جهة أخرى، قد يُصوَّر الفعل كاستجابة لا مفر منها لظروف خارجة عن الإرادة تحت مسمى الاضطرار القهري، مما ينقل المسؤولية من الفاعل إلى الظروف المحيطة، وهو ما يبرئ النية أمام الضمير ويخفف من وطأة الشعور بالذنب.

التلاعب بالتأثير والنتائج: تقزيم الضرر ولوم الضحية

في سعيه لترسيخ السلام الداخلي، يعيد العقل ترتيب العلاقة بين التأثير والنتائج، فيقلّل من حجم الضرر، أو يبالغ في تقدير المنفعة، تمهيدا لتصالح الضمير مع الخطأ.

ويتجسد هذا المسار في جملة من الآليات، تبدأ بتقزيم الضرر عبر الاعتقاد بأن الضحية لم تتأذَّ حقا أو أن الخسارة عابرة ولا وزن لها، وهو تجاهل متعمد يُستخدم لتخفيف وطأة الذنب؛ فإذا انتفت الضحية المتألمة في نظر العقل، انتفى معها الإحساس بوجود خطأ يستدعي المحاسبة. وتتطور هذه الآلية لتشمل لوم الضحية وتحويل المسؤولية الأخلاقية إليها، حيث تُصوَّر بوصفها مستحقة لما حدث لها أو شريكة فيه، مما يصنع رؤية زائفة ترى الفعل مقبولا بل ومبررا. وفي الحالات الأكثر قسوة، يلجأ العقل إلى التجريد من الإنسانية، بسلب الطرف الآخر جوهره الإنساني ورؤيته كمجرد رقم أو كائن لا يستحق التعاطف، مما يفتح الباب لارتكاب الأفعال القاسية بضمير مستتر خلف جدار التبرير.

الفلسفة الشخصية للخطأ: من الاستثناء إلى العقيدة

تتوج هذه العملية بخلق “فلسفة الخطأ” الشخصية. إنه التفكيك والتحليل الذي يمارسه الفرد على ذاته، متجاوزًا هدف الوصول إلى الحقيقة الخالصة، نحو خلق حقيقة بديلة. يبتكر العقل تبريرات منهجية تحوِّل الخطأ من استثناء إلى قاعدة مقبولة ضمن إطار فكري خاص، وهو ما يمثل جوهر الخداع الذاتي المنهجي. هذه الفلسفة تمنح شعورًا زائفًا بالتحرر من القيود الأخلاقية التقليدية، حيث يُصوَّر الضمير التقليدي على أنه سذاجة، بينما الفعل المرتكب هو دليل على القوة والواقعية. يصبح الفرد مقتنعًا بأن “الجميع يفعل ذلك، والناجح هو من يتقن اللعبة”، أو أن “الأخلاق التقليدية هي قيد لا يليق بالواقعية التي نعيشها”.

وتجدر الإشارة إلى أن الاستمرار في بناء هذه الفلسفة يؤدي إلى تآكل تدريجي في الحساسية الأخلاقية. فكلما زاد استخدام آليات التبرير، أصبحت الحاجة إلى استخدامها أقل، حتى يصل الفرد إلى مرحلة لا يشعر فيها بوخز الضمير أصلًا عند ارتكاب الخطأ. إذ يصبح الخطأ جزءًا طبيعيًا من هويته، ويتحول “تقنين الخطأ” من آلية دفاع إلى سمة شخصية راسخة. هذا التحول هو الثمن الحقيقي الذي يدفعه العقل: فقدان القدرة على التمييز الصادق بين الصواب والخطأ.

مستويات الخطأ الأخلاقي: من التخدير المؤقت إلى الانهيار القيمي

إن الحديث عن “تقنين الخطأ” يقتضي التمييز بين مستويات السلوك الأخلاقي الذي يُبرر، فآليات التبرير وتأثيرها على البنية النفسية تتراوح بين ما هو يومي وعابر وما هو منهجي وراسخ.

فالتبرير اليومي يرتبط بالأخطاء البسيطة أو الهفوات التي لا تمس جوهر النزاهة، مثل تأخير سداد دين بسيط بحجة الحاجة أو الانشغال، حيث تكون الآليات خفيفة ومؤقتة تهدف لتخفيف الذنب العابر مع بقاء الضمير فاعلًا وإن خُدِّر لفترة وجيزة؛ فهي بمثابة مسكنات موضعية تحمي الصورة الذاتية من خدوش بسيطة دون أن تغير في جوهرها.

أما التبرير المنهجي، فيتعلق بالأفعال التي تنطوي على ضرر كبير أو انتهاك صارخ للمبادئ الأساسية، كالغش المنظم أو الفساد المالي، وهنا تصبح الآليات أكثر عمقًا وتعقيدًا، إذ لا يكتفي العقل بتبرير الفعل، بل يعيد صياغة المنظومة القيمية برمتها لتستوعب هذا الانحراف كجزء من “واقعية” جديدة. وفي حالاتها القصوى، قد تشير هذه الآليات إلى تآكل عميق في البنية الأخلاقية للفرد، حيث يتحول التبرير من درع واق إلى عقيدة راسخة تؤدي لغياب تام للمحاسبة الذاتية، مما يجعل الفرد يعيش في سلام داخلي زائف مبني على أنقاض وعيه الصادق.

إن التمييز بين هذين المستويين ضروري للفهم، وكذلك للمواجهة؛ إذ يمكن معالجة التبرير اليومي بزيادة الوعي واليقظة، بينما يتطلب التبرير المنهجي تدخلا أعمق وإعادة بناء شاملة للمنظومة القيمية.

ومع ذلك، فإن هذا البناء الفلسفي للخطأ لا يتشكل دائما في عزلة داخلية صرفة؛ إذ غالبا ما يستمد العقل مبرراته من المحيط الخارجي، ليتجاوز التبرير حدود الذات المنفردة ويمتد نحو سياقات اجتماعية ومؤسسية تمنح الفعل الخاطئ صبغة من القبول الجماعي.

غسل الضمير الفردي: المقارنة الاجتماعية والشرعنة المؤسسية

يصبح الخطأ مقبولًا لدى الفرد فقط حين يتجاوز حدود الذات المنعزلة، ويُرى في سياق شبكة معقدة من التأثيرات الاجتماعية والثقافية، مما يوفر دعمًا خارجيًا لتقبل الفعل الخاطئ.

يتحقق هذا القبول عبر آليتين أساسيتين؛ أولها المقارنة الاجتماعية التي تمنح الفرد مسوغات خارجية عبر شعار “الكل يفعل ذلك”، مما يجعل الخطأ يبدو عادةً جماعيةً تُغسل فيها مسؤولية الفرد بماء الضمير الجمعي. وثانيها الشرعنة المؤسسية، حيث يجد الفرد مبررا لفعله بوصفه طاعة لأوامر أو جزءا من نظام محدد، مما ينقل المسؤولية من الشخص إلى الكيان الأكبر، ويحول الفرد إلى مجرد ترس في آلة لا يُحاسَب على اتجاه سيرها.

التحرر الحقيقي: المواجهة الصادقة مقابل أفيون الخداع الذاتي

إن عملية تقنين الخطأ هي دليل قاطع على أن الإنسان، حتى بينما يرتكب الشر، لا يستطيع أن يعيش مرتاحًا مع فكرة أنه شرير صرف. إن الحاجة إلى صورة ذاتية متماسكة ومقبولة أخلاقيًا هي المحرك الأساسي لآلية التبرير. هذا الإذن الداخلي، أو التقنين، هو الثمن الذي يدفعه العقل للحفاظ على التوازن النفسي وتجنب الانهيار أمام وطأة الضمير.

هذا التقنين، رغم أنه يضمن البقاء النفسي المؤقت، يمثل تضحية بالوعي الصادق. فالتحرر الحقيقي لا يكمن في إتقان فن التبرير، بل في المواجهة الصادقة مع الذات، التي تكشف حدود سيطرتنا على دوافعنا وتخفف الميل إلى لوم الآخرين أو لوم الذات بلا أساس. ولعل الوعي بهذه الآلية المعقدة هو الخطوة الأولى نحو تجاوزها، وإدراك أن السيطرة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بمسؤولية الفعل، لا من إتقان فلسفة تبريره.

لتحقيق هذا التحرر، يمكن تبني استراتيجيات عملية لمواجهة آليات التبرير الذاتي.

تبدأ هذه الرحلة بممارسة اليقظة الذهنية (Mindfulness)، وتهدف إلى زيادة الوعي باللحظة التي يبدأ فيها العقل في صياغة التبريرات، وذلك عبر التوقف لحظة قبل الفعل أو التبرير ومراقبة الأفكار والدوافع دون حكم.

ليتكامل ذلك مع تطوير التعاطف (Empathy) ليصبح أداة حاسمة لمواجهة آلية “التجريد من الإنسانية” و”لوم الضحية”، حيث يتطلب ذلك وضع النفس مكان الطرف المتضرر ومحاولة فهم الأثر الحقيقي للفعل عليه.

وصولا إلى آليات الاعتراف والمساءلة في كسر حلقة التبرير الذاتي عبر إدخال طرف خارجي، مثل طلب المشورة من شخص موثوق، أو الالتزام بمساءلة ذاتية دورية.

إن قبول هذا التناقض المؤلم للحظة، هو الثمن الوحيد الذي ندفعه مقابل نزاهة أبدية، والطريق الوحيد إلى سلام داخلي حقيقي لا يحتاج إلى أفيون الخداع الذاتي.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *