دانيال حاقيقاتجو.
ترجمه بتصرف: محمد رفيق كودري
على المرء أن يكون ساذجًا للغاية حتى لا يدرك أن شركات وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك لديها مصلحة راسخةٌ في الحد من كمية المواد “غير الصائبة سياسيًّا” التي يتم مشاركتها عبر نظامهم. لأن المحتوى غير الصائب سياسيًّا يضع مليارات الدولارات التي يمكن لهذه الشركات تحصيلها من المُعلِنين على المحك.
هذا أمرٌ يفهمه المسلمون جيّدًا، لأن العديد من التعاليم الإسلامية تُعتبر مسيئة، ومنبوذة، فهي في النهاية “غير صائبة سياسيًّا”، وفقًا للثقافة الغربية المهيمنة، والمتدهورة، التي نجد أنفسنا فيها.
إن السؤال البسيط هو: هل يستطيع المسلم أن يُبشر بالإسلام الأرثوذوكسيّ (الأصولي) على وسائل التواصل الاجتماعي؟
فنظرًا للمخاطر الكبيرة، ومليارات الدولارات على المحك، تكهّن الكثيرون بأن شركات وسائل التواصل الاجتماعي تتخذ إجراءات سرية لمعاقبة وحظر وخنق المحتوى والصفحات التي لا تستوفي “معايير المجتمع” التعسفية مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب. ويبدو أن هناك أدلة قويّة على ذلك.
مشروع فيريتاس
حصل مشروع فيريتاس على وثائق ومواد نشرها موظفٌ نافِذٌ سابقٌ في فيسبوك، تشرح كيف يخطط مهندو الموقع ويُباشرون في ضبط الخطاب السياسي. تُظهر لقطات الشاشة من محطة عمل داخل فيسبوك الإجراءات الفنية المتخذة ضد الشخصيات السياسية، فضلًا عن “الاستراتيجية الحالية” المتخذة لمكافحة الخطاب السياسيّ”.
تنويه: لقد نشر مشروع فيريتاس هذا البحث في 2019، لكن الغريب أن البحث قد حُذف من الموقع، وعندما حاول فريق يقظة البحث عن البحث الأصلي، وجد أن رابط البحث مازال مُثبّتًا في الموقع، لكن البحث ذاته غير موجود.
ويمكن تفقد الرابط من هنا: https://www.projectveritas.com/2019/02/27/facebook-insider-leaks-docs.
وقد وُجد في المستندات عرضٌ تقديمي من تأليف المهندس سايجي ياماموتو، وإدواردو أرينو دي لا روبيا، بعنوان: “ضبط وتنسيق الـ Trolls على الفيسبوك”. ياماموتو هو مدير علوم البيانات في الشركة، ودي لا روبيا هو كبير علماء البيانات فيسبوك. وقد بدا أن العرض التقديمي يصف الإجراءات الحالية، بالإضافة إلى الإجراءات المستقبلية المحتملة التي يمكن أن يتخذها فيسبوك لمكافحة “السلوك التعسفي” المزعوم على المنصة.
كما قام ياماموتو، المسؤول عن “استراتيجية التقليل من التدفق الإخباري”، بتأليف منشور قال فيه إنه يجب على Facebook معالجة “… قدر كبير من المحتوى القريب من محيط خطاب الكراهية”. قال أحد النافذين في الشركة أن المقصود بـ “محيط خطاب الكراهية” يعني “ما لا يندرج في الواقع تحت مظلة “خطاب الكراهية” ولكنه قد يسيء إلى شخص ما، أي ما قد يُنظر إليه على أنه خطاب كراهية، ولكن لا يمكن أن يُدان في المحاكم”.
يعتقد المطلعين على الداخل أن خطط ياماموتو تبدو سياسية بطبيعتها، وليست للرد على السلوكيات المسيئة، أو “لحفظ أمان الجميع داخل المجتمع”، “إنه من الواضح أنها مصممة لثقافة الميم اليمينية التي أصبحت سائدة للغاية في السنوات الأخيرة القليلة الماضية. وبعض الكلمات التي ظهرت في المخطط، كانت كلمات مثل SJW وMSM.. إن نيويورك تايمز لا تتحدث بالسوء عن الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال، المنصات الإعلامية المحافظة هي من تستخدم هذه اللغة”.
يقول العرض التقديمي الذي قدمه ياماموتو ودي لا روبيا أن “حسابات الـ Trolls” يمكن أن تتعرض للحد من تدفق الأنترنت، أو أن تكون عُرضةً لمواطن الخلل الإجبارية، مثل “تسجيل الخروج التلقائي” المتكرر، وعدم إمكانية تحميل التعليقات”.
* * *
حسنا، نعلم الآن أن هذه ليست نظرية مؤامرة لا أساس لها، بل سيكون من المفاجئ إذا لم يكن فيسبوك يتخذ إجراءات كهذه.
منذ فوز ترامب المفاجئ في انتخابات عام 2016، كان الإجماع على أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مهمًا في التأثير على نتيجة الانتخابات. كما قال البعض، لقد هبط ترامب في البيت الأبيض على موجة من الميمات و “الأخبار المزيفة” والروبوتات الروسية. فمنعُ ترامب إذن من ولاية ثانية، يعني قطع أو إعاقة سبيل النفوذ الهائل هذا.
حتى أن مارك زوكربيرج مؤسس فيسبوك اعترف العام الماضي – بعد أن أنكر ذلك في البداية – بأن فيسبوك لعب دورًا “مؤسفًا” في السماح لمعلوماتٍ مضللة بالتأثير على نتائج الانتخابات: “بعد الانتخابات، أدليت بتعليقٍ مفادُه أن فكرة كون المعلومات المزيفة قد أثرت على نتيجة الانتخابات هي فكرة مجنونة، إنني نادمٌ الآن على قول ذلك”.
حسنًا، من المؤكد إذن، أن منصات التواصل الاجتماعي لا يمكن أن تسمح لذات الخطأ أن يُرتكب مرة أخرى.
لكن، سؤال المليون دولار هو، ما هو “التضليل”؟ ما هو “الكلام الذي يحض على الكراهية”؟ ما هي “الأخبار الكاذبة”؟ ومن الذي يقرر الإجابات على هذه الأسئلة؟ هل هم الليبراليون، المديرون التنفيذيون في وادي السيليكون؟
عندما كنت طالبًا جامعيًا في جامعة هارفارد، التقيت وتفاعلت مع العديد من الطلاب الذين أصبحوا مديرين تنفيذيين مؤثرين في فيسبوك وفي غيره من المنصات العملاقة. على الرغم من مواهبهم ، فإنني، وبكل تأكيد، لا يمكن أن أرغب في السماح بأن تكون لهم صلاحية اتخاذ هذه القرارات، والإجابة عن هذه الأسئلة. لأنهم، من ناحية، لم يكونوا في الغالب أشخاصًا ذوي أخلاقٍ في الغالب، حتى وفقًا للمعايير الليبرالية. ومن ناحية أخرى، إن فهمهم للأخلاق على المستوى النظري يميل إلى العدمية. كثيرون منهم يتخذون منهجًا نسبيًا للصواب والخطأ ويعتبرون الدين هوية ثقافية لا غير، يجب احترامها “لأسباب الاختلاف والتنوع” ولكنها لا تقدم أي شيء آخر. عكست مواقفهم خلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية وكذلك ما كانوا يحصلون عليه من دروسهم في جامعة هارفارد. أساتذة جامعة هارفارد، بعد كل شيء، ليسوا معروفين باحترامهم للحساسيات الدينية، ناهيك عن المحافظة الأخلاقية.

فكيف ينظر إذن، قومٌ كهؤلاء، إلى الإسلام؟
لست بحاجة إلى التكهن، لأنني رأيت ردود أفعالهم عندما تحدثت معهم شخصيًا. لم ينظروا فقط إلى المبادئ الإسلامية التقليدية على أنها رجعية وبغيضة، بل اعتبروها تمثل بالضبط كل ما هو خطأٌ في هذا العالم.
* * *
الشذوذ الجنسي، الجنس خارج الزواج، التعددية الدينية، القضاء على أدوار الجنسين، والأخلاق الحداثية.
فيما يتعلق بهذه القضايا وأكثر، يعارض الإسلام بشكل مباشر الحساسيات الأخلاقية للنخبة الليبرالية،، التي تضع أصابعها على موانئ هذه المنصات. ولسوء الحظ، أصبحت هذه المنصات هي الطرق الأساسية التي يحصل بها معظم الأشخاص عبر الإنترنت على معلوماتهم.
لكن هذه الشركات لن تعترف بفرض رقابة على الإسلام ذاته، لأنهم يصفون عملهم بأنه مواجهةٌ “للتطرف”، بزعمهم! المسلمون “المتطرفون” فقط هم من يقولون إن ممارسة اللواط أمرٌ مكروه. المسلمون “المتعصبون” فقط هم من يعتقدون أن الرجل ليس كالأنثى، وأن للرجال للنساء أدوارٌ مختلفة.
المسلمون الذين سوف يخالفون الإسلام ويتبنون العقيدة الليبرالية لديهم الضوء الأخضر. المسلمون الراغبون في تجنب هذه المواضيع تمامًا والدعوة إلى “الإسلام اللطيف” لديهم الضوء الأخضر. إنهم لا يهددون الحساسيات الليبرالية، وبالتالي فهم ليسوا “مسيئين” كما هو حال هؤلاء المسلمين المتطرفين، لذا فإن “دعوتهم” هي كوشير 100٪. في الواقع، مسلمو الكوشير هؤلاء هم دعامة مفيدة لعمالقة التكنولوجيا هؤلاء، فبِوجودهم يمكن لهذه الشركات أن تتبجح دومًا: “انظروا! إننا نقدر التنوع والاختلاف!”.

لقد كانت جوجل هي الأكثر وضوحًا في “حربها” ضد “التطرف الإسلامي”. منذ عام 2016، كانوا منفتحين جدا حول كيفية تلاعبهم بنتائج البحث لدفن المحتوى “المتطرف”. حتى أن خوارزمياتهم تمتد إلى يوتيوب.
في مقالٍ لـ SearchEngineLand يقول الكاتب:
“في معركتها المستمرة ضد المحتوى الإرهابي، أعلنت شركة يوتيوب عن طرح ميزة بحث جديدة تعتمد على تقنية إعادة التوجيه (Redirect Method) التي صممتها حاضنة حاضنة للتكنولوجيا Jigsaw.
وفقًا للإعلان، فإن يوتيوب سوف يعرض الآن قائمة تشغيل لمقاطع فيديو تهدف إلى دحض محتوى “تجنيد المتطرفين العنيفين” عندما يبحث الأشخاص عن كلمات رئيسية معينة.
لم يتضمن الإعلان تفاصيل حول ماهية “الكلمات الرئيسية المعينة” هذه، لكن موقع Jigsaw الذي يغطي تقنية إعادة التوجيه الخاصة باليوتيوب أدرج البيان التالي الذي يشرح كيفية عمله مع Moonshot CVE (مبادرة تستخدم البيانات لمواجهة رسائل التطرف العنيف) لتحديد الكلمات الرئيسية ذات الصلة:
بالنسبة للحملة باللغة الإنجليزية، أنشأت Moonshot CVE 30 حملة إعلانية تضم 95 إعلانًا فريدًا وأكثر من 1000 كلمة رئيسية. ركز توليد الكلمات الرئيسية على المصطلحات التي توحي بمشاعر إيجابية تجاه داعش.”
* * *
الأمر الذي لا معنى له هو أنه ما دامت خوارزمية اليوتيوب قادرة على تحديد مقاطع الفيديو الخاصة بتنظيم داعش، والتي تشجع على الإرهاب، فيجب أن يكون من السهل عليها حظر الحسابات المرتبطة بمقاطع الفيديو هذه. فلماذا تتكبد عناء إعادة توجيه المستخدمين؟
إن الرؤية الأكثر رجاحة هي أن هذه الخوارزميات تلقي بشبكة هائلة، فتلتقط أي شيء وكل شيء حتى ما يتجاوز ما تعتبره البروتوكولات الحكومية “تطرُّفًا”. ويمكن استخلاص هذا من حقيقة أن الخوارزمية تراقب أكثر من 1000 مصطلح. كيف يمكن أن يوجَد 1000 مُصطلحٍ لِمدح داعش، أو يوحي على الأقل بـ “مشاعر إيجابية” تجاه داعش؟ ما هي هذه المصطلحات؟ وكيف نحدد “المشاعر الإيجابية”؟ هل إذا قام أحدهم بنشر مقطع فيديو يُبيّن فيه أهمية “الخلافة الإسلامية”، والخلافة مطلبٌ شرعيّ، سوف تعتبر خوارزمية اليوتيوب أن هذا الفيديو يوحي بـ “مشاعر إيجابية” تجاه داعش؟ وماذا لو نشر أحدهم فيديو عن “حكمة الشريعة الإسلامية”، هل سَتصطاده الشبكة أيضًا؟
من السهل بعد معرفة هذا، إدراك حجم “الخنق” و”التحييد” الذي يتعرض له المحتوى الإسلامي.
ومع ذلك، لا يجب على مسلميّ الكوشير أن يقلقوا، حسنا، على الأقل طالما أن عمالقة التكنولوجيا لم يوسعوا بعد تعريفاتهم للكراهية والتطرف. ولكن عندما تتغير المعايير، على مسلمي الكوشير أن يتأقلموا مع ذلك، وأن يُقلِّصوا نطاق دعوتهم، إن أرادوا المحافظة على مقام “الكوشير” السامي الذي يتمتعون به اليوم.
إذن، مالذي يمكن فعله عمليًّا؟
لا شيء غير الدعاء. طالما أن المسلمين الأرثوذكس ليسوا أقوياء بما يكفي للتأثير على هذه الشركات أو لتغيير الوعي العام، فلا يوجد شيء يمكن القيام به بشكل مباشر. ولكن آخر شيء يجب أن يفكر المسلمون بفعله هو تقديم حجج “حرية التعبير”، لأن حرية التعبير ليست من قيم الإسلام، بل هي مفهوم هشٌّ وغير متماسك.
وإلى جانب الدعاء الصادق بالفلاح في هذه الدنيا والآخرة، يجب على المسلمين العمل على إنشاء منصّاتهم الخاصة للتواصل ونشر الأفكار على نطاق واسع. هذه مهمة صعبة، لكن الخطوة الأولى في تجاه تنفيذها إلى أن يدرك المسلمون أن أيامهم على منصات التواصل معدودة، لأنهم إذا لم يستمروا في التنازل عن قِيَمِهم الإسلامية شيئًا فشيئًا، ودرجة بدرجة، حتى الذوبان في العقائد النسوية والليبرالية، فإن هذه المنصات لن تتسامح مع وجودهم.
وعلينا أن نتذكر دائما أن رسالة الله لا تحتاج إلي أي منا ولا أي منصة. إن الحقيقة لا يمكن قمعُها أبدًا، والحمد لله.
المقال الأصلي: Are Facebook and Youtube Blocking Orthodox Muslim Content