آية حسن
في كل ذكرى لنكبة فلسطين، وبينما تُرفع أعلام إسرائيل احتفالاً بما يسمى عيد الاستقلال، تبرز جماعة ناطوري كارتا (حراس المدينة) اليهودية الأرثوذكسية في مشهد ينسف السردية الصهيونية السائدة؛ إذ يرفعون العلم الفلسطيني ويحرقون العلم الإسرائيلي، مؤكدين بصرامة أن اليهودية دين، والصهيونية مشروع سياسي حديث.
انحرافٌ عقائدي لا حركة خلاص
تنطلق هذه الجماعة من قناعة دينية راسخة بأن الصهيونية ليست حركة تحرير أو خلاص لليهود، بل انحراف عقائدي حوّل الدين من منظومة روحية إلى أداة قومية ذات طابع استعماري. ومن هذا المنطلق، ترفض ناطوري كارتا أن يُرتكب القتل والتهجير باسم التوراة، أو أن يُقدَّم الكيان الإسرائيلي بوصفه الممثل الشرعي ليهود العالم، معتبرة ذلك تجديفاً وإساءة للذات الإلهية.
المرجعية: الأقسام الثلاثة
يستند هذا الموقف الجذري إلى مرجعية تلمودية تُعرف بالأقسام الثلاثة، والتي تحرّم على اليهود إنهاء المنفى بالقوة البشرية، أو التمرد على الأمم، أو استعجال الخلاص قبل تحقق المشيئة الإلهية. وبناءً على هذا الفهم، فإن إقامة دولة يهودية بقوة السلاح، وبالاستناد إلى دعم القوى الاستعمارية، تُعد معصية دينية كبرى، لا تحقيقاً لوعد إلهي كما تزعم الصهيونية الدينية.
الجذور والتأسيس
تأسست ناطوري كارتا كتنظيم مستقل في القدس عام 1938، بعد انشقاقها عن حزب أغودات يسرائيل احتجاجاً على ميله للمهادنة مع الوكالة اليهودية. غير أن جذورها الفكرية والاجتماعية تعود إلى اليشوف القديم، أي يهود القدس الأصليين الذين سكنوا فلسطين قبل بروز الحركة الصهيونية، ورفضوا منذ بداياتها تحويل الهوية الدينية إلى مشروع قومي سياسي.
موقف جذري من الدولة
تبنّت الجماعة موقفاً لا يكتفي بمعارضة السياسات الإسرائيلية، بل يرفض شرعية إسرائيل من أساسها، ويدعو إلى تفكيكها فوراً باعتبار وجودها خطيئة دينية. ومن المهم الإشارة إلى أن دعمهم للفلسطينيين لا ينطلق من مفاهيم الدولة الوطنية أو الديمقراطية الحديثة، بل من قناعتهم بضرورة رد الأرض إلى أهلها، وتفضيلهم العيش كأقلية دينية تحت حكم غير يهودي، كما كان الحال تاريخياً، في انتظار المسيح المنتظر وفق تصور لاهوتي لا سياسي.
الحضور الدولي والواقع المعقد
لم يعد وجود الجماعة محصوراً في أحياء القدس القديمة، مثل مئة شعاريم، بل امتد إلى نيويورك ولندن، ما منحها حضوراً إعلامياً دولياً في مواجهة محاولات إسرائيل احتكار تمثيل اليهود. وقد تجسد هذا الموقف في علاقات مباشرة مع القيادات الفلسطينية، وكان الحاخام موشيه هيرش، الذي عمل مستشاراً للشؤون اليهودية لدى السلطة الفلسطينية، مثالاً بارزاً على هذا الانخراط العملي.
بين اللاهوت والسياسة
ورغم أن خطاب ناطوري كارتا يستخدم أحياناً مصطلحات سياسية مثل الاحتلال والعدالة عند مخاطبة الرأي العام العالمي، فإن دافعها الحقيقي يظل لاهوتياً أرثوذكسياً متشدداً. كما يجب التنبيه إلى أن الجماعة تمثل أقلية صغيرة ومعزولة، بل ومرفوضة من غالبية التيارات الحاريدية الأخرى، التي رغم معارضتها العقائدية للصهيونية، ترفض أسلوب ناطوري كارتا في التظاهر العلني أو الانخراط السياسي المباشر مع خصوم إسرائيل.
خاتمة
تتمثل أهمية ناطوري كارتا في كونها تياراً دينياً يهودياً يعارض الصهيونية من داخل المنظومة الدينية نفسها، وهو ما يضعف الربط القائم بين اليهودية والمشروع الصهيوني. ويُظهر هذا الموقف أن استخدام الدين في الخطاب الصهيوني يقوم بدور سياسي تبريري، لا على تمثيل ديني جامع. وبذلك، يساهم وجود هذا التيار، رغم محدوديته، في التأكيد على أن الصراع في فلسطين ذو طبيعة سياسية استعمارية، لا نزاعاً دينياً كما يُقدَّم في بعض الخطابات.




