كريبتو كرانيوم.
ترجمة: ليلى حجار.
إن الآراء الواردة أدناه تعبر عن توجهات أصحابها، ولا تتبنى يقظة بالضرورة جميع التوجهات المذكورة في هذا المقال.
في عَالمنا الحديث، أصبَح الترفيه القائم على التكنولوجيا من التجارات المربحة للغاية ، إلى درجة أنّ المسؤولين التنفيذيين في الشركات مستعدون لبذل أي جهد تقريبًا لضمان نجاحها المالي، حَتى لو كان ذلك على حساب استغلال عقول الأطفال الصغار وتدميرها.
تُعدّ شركة “مونباغ الترفيهية” (Moonbug Entertainment ) واحدة من هذه الشركات. فهي تمتلك واحدة من أكثر قنوات الترفيه شُهرةً على موقع “يوتيوب” (You Tube)، إن لم تكن الأكثر شهرة على الإطلاق. وأنا أتحدث هنا بالطّبع عن قناة الأطفال الترفيهية المعروفة باسم “كوكوميلون” (Cocomelon):
وعلى سبيلِ المقارنة، بينما اجتذب مسلسل “كريمنل مايندس” (criminal minds) أكبر عدد من دقائق المشاهدة على مدار 322 حلقة متاحة، فإنّ مسلسل “كوكوميلون”(Cocomelon)، الذي يتوفر منه 15 حلقة فقط، يُعدّ من الأعمال البارزة حقًا. وقد ساهم هذا النجاح في صفقة استحواذ كبيرة للشركة المنتِجة. كما حقّق “كوكوميلون”، المُتاح على نطاق واسع عبر”نتفلكس” (Netflix) و”هولو” (Hulu) و”أمازون برايم” (Amazon Prime) و”يوتيوب”،33.3 مليار دقيقة من المشاهدة.
وقد أصبحت قناة “كوكوميلون” والقنوات المُشابهة لها الخيار المفضّل للعديد من الوالدين في مُختلف أنحاء العالم عندما يتعلق الأمر بإلهاءِ أطفالهم، وخاصة عندما ” يُزعجونَهم” كثيرًا. ومن المُؤسف أن يشمل هذا الاتّجاه أيضًا بعض الوالدين المسلمين.
فبدلاً من قضاءِ الوقت مع أطفالهم في أنشطة صحيّة ومرحة، يمكن أن تكون مليئة باللحظات التعليمية الجميلة، والدروس الأخلاقية، والتجارب التعليمية، يَلجأ الآباء والأمّهات المعاصرون وبصورة مُتنامية إلى تَرك أطفالهم ملتصقين لساعات طويلة أمام شاشاتٍ تعمل على تحفيز أدمغتهم الصغيرة النامية بشكل مُفرَط وتضرّ بها بسبب الأضواء الوامضة والأصوات العالية.
ونتيجةً لذلك، سوف يعاني الجيل القادم من مشاكل في النمو العقلي والتنشئة الاجتماعية مما يؤدي إلى اضطرابات، كاضّطراب قلة الانتباه وفرط النشاط(ADHD) والتوحد.
وقد اكتشفت دراسة نُشرت في الأكاديمية الأمريكية لطبّ الأطفال التأثيرات السلبية التي خلفها التلفزيون سريع الوتيرة على الأداء التنفيذي للأطفال، فوفقًا لدراسة أجرتها الأكاديمية عام 2011، فإنّ تسع دقائق فقط من التعرض للرسوم المتحركة سريعة الوتيرة تؤدي إلى انخفاض في الأداء التنفيذي لدى الأطفال في سن ما قبل المدرسة. وإنّ هذا التتابع السريع للمحفزات يضعف قدرة الدماغ على معالجة المعلومات بشكل فعّال، مما يؤدي إلى انخفاض فترات الانتباه وصعوبات في التنظيم الذاتي.
كما وصفت سوزان ٱر. جونسون، طبيبة الأطفال المتخصصة في السلوكيات والنمو، التأثيرالسلبي للرسوم المتحركة التلفزيونية على حجم دماغ الأطفال، مشيرةً إلى أنّ الغياب المطول للتحفيز المتوازن لجميع الحواس، يمكن أن يؤدي إلى انخفاض في حجم الدماغ. وقد لوحظ انخفاض بنسبة 20-30% لدى الأطفال الذين يفتقرون إلى التحفيز اللمسي والتفاعل الإنساني الهادف، مما يُعدّ أمرًا صادمًا للغاية.
ولا يخفى على أحد أنّ الأطفال في أيامنا هذه يقضون ساعات طويلة في مشاهدة الرسوم المتحركة سريعة الوتيرة المسبّبة للصرع. وقد أصبح العديد منهم مرتبطين بها بطريقة تشبه الإدمان على المخدرات ، حيث يظهر ذلك في بُكائهم وصراخهم بغضبٍ على هواتفهم وأجهزتهم اللوحية كلما حُرموا من التحفيز المفرط والمستمر.
ويرجع أحد الأسباب الرئيسة لهذا النوع من الإدمان إلى تصميم هذه الرسوم المتحركة بعنايةٍ ودقةٍ علمية، بهدف جذب انتباه الأطفال الصّغار والاحتفاظ به لأطّول فترة ممكنة.
على سبيل المثال، باستخدام جهاز يُعرف باسم “مشتت الانتباه” (Distractotron)، أجرت شركة “مونوباغ الترفيهية” تجارب على الأطفال لمعرفة ما الذي يُبقي عيون الطفل ملتصقة على الشاشة ومأسورة بها: مرةً واحدة في الشهر، يُحضَر الأطفال إلى هنا، واحدًا تلو الآخر، ويُعرَض عليهم عدد من الحلقات لاكتشاف الأجزاء التي تثير اهتمامهم من العروض، وتلك التي يتجاهلونها.
بالنسبة للأطفال الذين يزيد عمرهم عن عامين، يستخدم الفريق أداة تحمل اسمًا غريبًا وهو “مشتت الانتباه” (Distractatron )، وهي شاشة تلفزيونية صغيرة، تُوضع على بُعد بضعة أقدام من الشاشة الأكبر، تعرض حلقة متواصلة من مشاهد عادية واقعية : رجل يسكب فنجاناً من القهوة، وشخص يحصل على قصة شعر، وكلّ منها يستمر نحو عشرين ثانية. وكلّما نظر أحد الأطفال بعيداً عن برنامج “مونوباغ” ليلقي نظرة على الشاشة الصغيرة، يتمّ تدوين ملاحظة.
قال موريس ويلر، الذي يدير مجموعة البحث: “إنّ ما يُعرض على جهاز “مشتت الانتباه” ليس مثيرًا للاهتمام، ولكن إذا لم يكونوا مركّزين تمامًا على الشاشة الكبيرة، فقد يقولون: ‘أوه، ما هذا؟’ ويحوّلون نظرهم إلى الجهاز بدلاً منها. حينها يُمكننا رصد ما ينظرون إليه وتحديد اللحظة التي تَشتّت فيها انتباههم.
ولأنّ وسائل الإعلام الرئيسة نادرًا ما تمنح موضوع الرسوم المتحركة الاهتمام الذي يستحقه، ينسى الناس أنّ هناك شركات عملاقة تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات، مدفوعة بالسعي وراء الأرباح وتعزيز نفوذها، هي التي تقف وراء هذه الرسوم المتحركة التي تبدو لهم بأنها غير ضارة.
وبالنسبة لهذه الشركات، طفلك ليس إنسانًا. إنّه مجرد جزء من مجموعة بيانات في لعبة، حيث تكتشف الخوارزميات الأفضل إحصائيًا لتحويل عقولهم إلى مادة هشة قابلة للتشكيل، تجعلُهم مصدرًا ضخمًا لجني الأموال بطرق قاسية وغير إنسانية.
إنّ مؤسس شركة “مونوباغ الترفيهية” هو رينيه ريشتمان، رجل أعمال يهودي دنماركي شغل سابقًا منصب رئيس العلاقات الدولية في شركة “مايكر ستديوز” (Maker Studios)، التابعة لشركة “ديزني”، التي تُعد أكبر تكتّل ترفيهي شيطاني في العالم.
حاليًا، تمتلك شركة “مونوباغ الترفيهية” شركة “كاندل ميديا” (Candle Media)، التي شارك في تأسيسها كيفن أ. ماير وتوماس أو. ستاجز، وكلاهما شغل مناصب تنفيذية بارزة في شركة ديزني. حتى أنّ ماير شغل لفترة وجيزة منصب الرئيس التنفيذي لشركة “تيك توك” (Tik Tok). كما تحظى شركة “كاندل ميديا”بدعمٍ من شركة “بلاكستون” (Blackstone) ، التي تُعد حاليًا أكبر شركة أسهم خاصة في العالم، فقد احتلت بلاكستون المرتبة 495 بين أكبر مديري الاستثمارات البديلة ضمن قائمة “جلوبال 2000” ، متقدمة ب153 مركزا عن ترتيبها السابق. وهي الآن أكبر شركة أسهم خاصة في العالم، تأسست في عام 1985 على يد المليارديرين بيتر بيترسون، الذي توفي عام 2018، وستيفن شوارتزمان، الذي يشغل حاليًا منصب الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة. شهدت بلاكستون عامًا مميزًا ؛ فبعد أن تجاوزت أصولها المُدارة تريليون دولار في يوليو الماضي، أصبحت في سبتمبر أول شركة لإدارة الاستثمارات البديلة تُدرج أسهمها في مؤشر ستاندرد آند بورز 500. ومن بين الشركات المدرجة في قائمة فوربس “جلوبال 2000″، كما تتمتع بلاكستون بأعلى قيمة سوقية بلغت 151.9 مليار دولار.
ومن المؤسف أن ينتهي المطاف بهؤلاء الوالدين، دون وعي، بوضع أطفالهم على مسار الاستهلاك غير الواعي منذ سن مبكرة للغاية، مما يؤدي إلى اكتساب أطفالهم لسلوكيات وعقليات أشبه بالزومبي المبرمجين، أطفال يعتمدون بالكامل على العالم الرقمي، ويصبحون عاجزين تمامًا بدون هذه الشركات الجشعة التي تسعى وراء المال.
وفي اللحظة التي يبدأ فيها هؤلاء الأطفال إدراك العالم من حولهم، يتعلمون أنّ الحياة ليست للتساؤل أو التأمل، بل تدور حول الاستهلاك المستمر للسعادة والبقاء مستمتعين على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.
وسُرعان ما تتحول حياتهم إلى سلسلة متواصلة من الانتقال من إدمان رقمي إلى آخر، ومن برامج مثل “
كوكوميلون” إلى وسائل التواصل الاجتماعي، والأفلام، والبرامج التلفزيونية، والألعاب، والمواد الإباحية، وما إلى ذلك. وسيضطرون إلى تكرار هذا النمط، لأنّ هذه العادات قد ترسخت بالفعل كجزء من وصلاتهم العصبية في الوقت الذي يمرون فيه بأهمّ مراحل تطورهم الأساسية.
إنّ العالم اليوم في أمسّ الحاجة إلى مسلمين أقوياء لا يتأثرون بسهولة بالأوهام الدُنيوية، وقادرون على الصمود في مواجهة التهديد الوشيك المتمثل في التكنولوجيا الحديثة. فهل سيتمكن هؤلاء الأطفال، المدمنون على التكنولوجيا والمصابون بإدمان شديد على الدوبامين بسببها، من تقديم أي مقاومة حقيقية؟ ومع تضرر ذاكرتهم وتنسيقهم وإدراكهم وذكائهم وقدراتهم على التفكير العميق منذ سن مبكرة، فهل سيكون لديهم القوة العقلية والفكرية اللازمة لإدراك مدى خطورة هذه التهديدات الحديثة وكيف أنّ الإسلام هو السبيل الوحيد لمواجهتها؟
وماذا عن تأثير التنويم المغناطيسي على النفس البشرية نتيجة تعرض الأطفال لبكسلات وامضة لا معنى لها على الشاشات لساعاتٍ يوميًا، بدلاً من قضاء هذا الوقت في استكشاف الطبيعة واللعب والتواصل مع الأطفال الآخرين والتأمل وطرح الأسئلة وما إلى ذلك؟
وهل سيهتمون حقًا بالإسلام وبقضية الصراع بين الخير والشر بعدما شُلّت أرواحهم وفطرتهم منذ سن مبكرة؟ أم أنهم سيرضون بإهدار وقتهم وحياتهم بالتحديق في الشاشات؟
إنّ هذه النخب المؤسسية تسعى إلى تحويل أطفالكم إلى أجساد مفرغة من الإرادة، أشبه بالزومبي، أجساد تعتمد عليهم بالكامل كطائرات بدون طيار لا حيلة لها، وبالكاد تُعمل عقلها، فلن يطرحون أي أسئلة ولن يكون لديهم أي نوع من المقاومة ضدّ القمع والوضع الراهن. وللقضاء تمامًا على أي مقاومة مُحتملة، يعملون على تعزيز قدرتهم على القضاء على التفكير النقدي من خلال تقنيات مثل “الواقع الافتراضي”، و “الذكاء الاصطناعي”، و “واجهة الدماغ والحاسوب”.
وكما رأينا آنفًا، فإنّ مقياس النجاح الذي تعتمده صناعة الترفيه الحديثة هو مدى التعلق والتنويم المغناطيسي الذي تُحدِثه منتجاتها على عقول المستهلكين. بناءً على ذلك، فإنّ هذه الصناعة لن تتوقف حتى تصل إلى تقنية تجعل العقل البشري عديم الفائدة تماماً، مستنزفة كل طاقاتهم في البحث عن المتعة المُستَخلصة من هذه المخدرات الترفيهية التكنولوجية التي وصلت إلى أعلى مستويات الجذب والتأثير. وهذا يُعيدنا إلى السؤال المطروح: هل سينشأ هؤلاء الأطفال وهم قادرون على مقاومة مثل هذه الأشكال من الترفيه؟
إنّ هؤلاء الوالدين المسلمين بحاجة إلى تنمية غيرة أطفالهم على الإسلام، وإلى توفير رعاية واعية لهم وهي رعاية وقائية، يقظة وقوية، تحميهم من التعرض للإساءة العقلية واستخدامهم كمصدر ربح رخيص على يد القوى الشيطانية. إنّهم بحاجة إلى إدراك عِظم نعمة الله عليهم بتلك الأمانة المُتمثلة في أطفالهم ، وأنّ من أجلّ مسؤولياتهم أن يعطوا أطفالهم حقوقهم كاملة، من حماية لعقولهم وأجسادهم وأرواحهم من مثل هذه الشرور.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: 66:6).
وهذا يحُثنا على تربيتهم وتنشئتهم تربية إسلامية صحيحة، ليكونوا مسلمين أقوياء جسديًا وعقليًا وروحيًا، مستعدين لمواجهة أعداء الإسلام، ومدافعين عن الدّين، وعبيدًا لله، ومحاربين في سبيله. فهذه السنوات الأساسية هي الأهم والأكثر تأثيرًا في تشكيل عقل الطفل.
نسألُ الله أن يرزُقنا القدرة على تربية أبنائنا تربية سليمة ليكونوا الجيل القادم من المسلمين الذين يرفعون الأمة الإسلامية ويحافظون عليها. آمين.
المقال الأصلي: Muslim Parents Beware: Cocomelon Will Liquify Your Child’s Brain