نادية أحمد.
ترجمة: ليلى حجار.
لا تعبر الآراء الواردة أدناه بالضرورة عن جميع توجهات يقظة.
من أولمبياد باريس إلى الانتخابات الأمريكية، الشمولية الحقيقية تتطلب أكثر من مجرد وعودٍ كلامية فارغة.
تقديرًا للجمبازية الأولمبية ناديا كومانتشي، أطلق عليّ والدي اسم ناديا، بعد حضوره دورة الألعاب الصيفية في مونتريال عام ١٩٧٦. ورغم أنّني لم أتبع خطاها في مجال الرياضة، فقد شققت طريقي الخاص بكوني صحفية ومحامية وأستاذة قانون.
بصفتي أكاديمية محجبة وتراقب التداخل بين السياسة والدين والعدالة الاجتماعية، أجد أن المعاملة الحالية للنساء المسلمات في المجالات البارزة تشكّلُ مصدر قلق كبير.
فبدايةً من حظر الحجاب للرياضيات الفرنسيات في أولمبياد باريس إلى تعامل اللجنة الوطنية الديمقراطية الأمريكية (DNC) مع تمثيل المسلمين، نرى نفاقًا مستشريًا في الأوساط “التقدمية”.
لقد وجه الأولمبياد – الذي يُفترض أنه يُمثل قمة الوحدة العالمية – رسالة إلى النساء المسلمات الفرنسيات فعلياً بأن يتركن إيمانهنّ خارج الباب. ليس هذا مجرد مسألة تتعلق بقواعد اللباس فحسب، بل هو انتهاك جوهري للحريات الدينية والاستقلال الشخصي، وله جذور في السياسات الفرنسية الأوسع. ففي عام 2004، منح مجلس الشيوخ الفرنسي الموافقة النهائية على مشروع قانونٍ يحظر ارتداء الرموز الدينية البارزة في المدارس العامة.
من الناحية القانونية، يثير حظر الحجاب في أولمبياد باريس تساؤلات حاسمة حول التمييز وحدود العلمانية في الأماكن العامة. إنه مثال نموذجي على كيفية تأثير السياسات التي تبدو محايدة بشكل غير متناسب على الفئات الأقلية.
بصفتي باحثة قانونية وامرأة مسلمة أمريكية، أجد أنّ مثل هذه التطورات مقلقة بشكل خاص، حيث تسلط الضوء على التحديات المستمرة التي تواجهها الأقليات الدينية في التوفيق بين إيمانهم وتوقعات المجتمع – حتى في البيئات التي يُفترض أنها تقدمية.
نحن بحاجة إلى دراسة أعمق لكيفية تحقيق التوازن بين العلمانية والحرية الدينية والشمولية في مجتمعاتنا التي تزداد تنوعاً.
دعم الوضع الراهن
تواجه النساء المسلمات اللاتي يظهرن بهويتهن الإسلامية إقصاءً أيضًا في المجال السياسي. ومع ذلك، فإنّ الحركات الحديثة التي وعدت بالتغيير الجذري، مثل حملة “غير الملتزمين”، سرعان ما اصطفّت مع التيار السائد الذي كانت تتحداه سابقًا. ويعكس تحولهم من المطالبة بمؤتمر مفتوح إلى دعم الوضع الراهن بحذر الاتجاه الأوسع الذي تفقد فيه الحركات التقدمية زخمها الثوري.
يشبه تعامل اللجنة الوطنية الديمقراطية (DNC) مع المندوبين المسلمين نفاق الأولمبياد. فعلى الرغم من أن نية حركة “غير الملتزمين” التي نظمها أعضاء داخل الحزب الديمقراطي كانت حسنة، إلا أنها أدت بشكل غير مقصود إلى تقليل تمثيل المسلمين. فما بدأ كتحدٍ جريء للنظام السياسي ساهم في النهاية في تقليل عدد المندوبين المسلمين بشكل كبير، من حوالي 150 مندوبًا في عام 2020 إلى حوالي 60 مندوبًا في عام 2024، وفقًا لسجلاتي الخاصة. وذلك لأن المناورات الاستراتيجية غالبًا ما تُهمش مصالح الأقليات لصالح أجندات أوسع وأقل تحديدًا، مما يضر بمجموعات مثل المندوبين المسلمين.
تثير هذه النتيجة تساؤلات حول فعالية مثل هذه الحركات ونتائجها غير المقصودة، إذ إن انخفاض عدد المندوبين المسلمين ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو إضعاف للصوت الجماعي والقدرة التفاوضية، بما في ذلك قضايا مثل الدعم الأمريكي لحرب إسرائيل على غزة.
في كلتا الحالتين، أدت المثالية العالية للشمولية والتغيير إلى تهميش أصوات المسلمين، ولا سيما أصوات النساء.
وفي عالم المناورات السياسية، يخدم هذا مصالح الجماعات المؤيدة لإسرائيل، في حين يتم تصنيفه على أنه نشاط تقدمي.
تبدو حركة “غير الملتزمين”، التي أصبح اسمها الآن يتسم بالسخرية أكثر من أي وقت مضى، وكأنها قد انضمت إلى التيار السائد بشكل أسرع مما يمكنك أن تقول “الوضع الراهن”، تمامًا كما قد يكتشف المراهقون المتمردون أن ذوق والديهم في الموسيقى ليس سيئًا كما كانوا يعتقدون.
في 29 يونيو/حزيران، بينما كانت الدعوات العامة تتزايد لكي يتخلى الرئيس جو بايدن عن منصبه، قامت حركة “غير الملتزمين” بنشر تغريدة على منصة X (المعروفة سابقًا بتويتر): “نحن مستعدون لدعم مؤتمر مفتوح إذا أصبح ذلك ممكنًا.” إن استخدام اللغة الشرطية جعل من هذا البيان يتسم بالضعف.
وأصبح السعي نحو عقد مؤتمر مفتوح أقل أهمية، وتحول إلى مناشدة يائسة: “مهلاً، هل تذكرون كل ذلك الحديث عن التغيير الجذري؟ هل يمكننا على الأقل أن نتظاهر بالتفكير فيه لمدة خمس دقائق؟”.
نهج الإقصاء
تشكك وسائل الإعلام الغربية في عدد الشهداء في غزة، وتُظهر تجاهلًا واضحًا للمجاعة الجماعية للأطفال، مما يجعل صمتها تواطؤًا في هذه الإبادة الجماعية. وبالنسبة لمن يشك في موقف نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس، التي يُفترض أنها ستكون المرشحة الديمقراطية للرئاسة، فقد أوضحته تمامًا من خلال تصريحاتها الأخيرة ضد المتظاهرين في واشنطن حيث قالت: “أدين أي فرد يرتبط بالمنظمة الإرهابية حماس.”
ولقد تعبت كثيرًا من هذا الخلط المستمر بين المتظاهرين وحماس، لدرجة أنني عندما أقدّم نفسي للغرباء وأريد أن أبديَ رأيي فيما يدور في غزة، أقول: “اسمي نادية، ولست من حماس.” فور أن يتفاجأ الناس، يبدو أنهم قد افترضوا مسبقًا أنني أؤيد هذه الجماعة.
ومن منظور قانوني، فإن هذا الخلط ليس فقط خاطئًا من الناحية الواقعية، بل هو أيضًا قريب بشكل خطير من انتهاك حقوق التعديل الأول. فهو يخلق تأثيرًا مثبطًا على الاحتجاج والمعارضة المشروعة، وهما ركنان أساسيان للديمقراطية الفاعلة.
إنّ القاسم المشترك بين حظر الحجاب في الأولمبياد في فرنسا وما يحدث في وضع المندوبين في اللجنة الوطنية الديمقراطية يكمن في واجهتهما التقدمية، التي تخفي شكلاً أعمق وأكثر خبثًا من الإقصاء. ففي كلتا الحالتين، انتهت المبادئ السامية المتعلقة بالشمول والتغيير إلى تهميش أصوات المسلمين، خاصة أصوات النساء، مثلي.
إن نهج الإقصاء هذا ليس جديدًا، فمن حركة حقوق المرأة، التي استثنت في البداية النساء من ذوات البشرة الملونة، وصولاً إلى القوانين العمالية التي فشلت في توفير الحماية للنساء والأقليات، كان الطريق نحو الشمولية الحقيقية طويلاً ومليئًا بالنفاق.
ومع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني، يتعين علينا أن نفحص بشكل نقدي الفجوة بين الخطاب التقدمي والعمل. إذ أن الآثار القانونية والأخلاقية المترتبة على استبعاد التعبير الديني في الأماكن العامة، وإسكات المعارضة، والحد من تمثيل الأقليات عن غير قصد تترك تأثيرًا عميقًا.
تتطلب الشمولية الحقيقية أكثر من مجرد كلام فارغ، إذ تستدعي التزامًا بحماية حقوق جميع الأفراد، حتى عندما يكون القيام بذلك غير مريح سياسيًا. كما تحتاج إلى صياغة سياسات تتسع بالفعل للتنوع – ليس فقط من حيث المظهر، بل ومن حيث الجوهر أيضا.
المقال الأصلي: How Muslim women are targeted in ‘progressive’ circles