د. مشاعل آل عايش
الأخلاق ليست مجرد سلوك إنساني يدل على كينونة الإنسان، وحضوره، ولكنها هوية تعريف له، وتحديد لنسبته الفكرية، ورصيده المعرفي.
وحين يختزل الوجود في البعد المادي فقط، ويُترك الإنسان وحيدًا أمام رغباته وقوته ومصالحه. عندها فقط يتبدّى السؤال العاري: لماذا ينبغي أن أكون صالحًا إذا لم يكن أحد يراقبني؟
وهل يملك الإنسان، إذا نُزعت عنه المرجعية المتعالية، سببًا حقيقيًا يردعه عن الظلم حين يكون قادرًا عليه؟
وحين تُعرّى النفس الإنسانية بلا تجميل، يضع فيودور دوستويفسكي هذا السؤال في صيغته الأكثر قسوة حين يقول: «إذا كان الله غير موجود، فكل شيء مباح».
ليست هذه العبارة إنكارًا فلسفيًا بقدر ما هي تحذير أنثروبولوجي؛ إذ تكشف ما يحدث للأخلاق حين تُفصل عن معناها الأعلى. فالقيم، متى فقدت سندها المتجاوز للإنسان، لا تسقط دفعة واحدة، بل تتحول إلى اتفاقات مؤقتة، صالحة ما دامت المصلحة قائمة، وقابلة للنقض متى تغيّرت موازين القوة.
من هنا لا يُطرح سؤال الأخلاق بوصفه جدلًا نظريًا حول مصادر المعرفة، بل بوصفه سؤالًا عن مصير الإنسان نفسه: هل يمكن لمنظومة أخلاقية أن تصمد إذا كان الإنسان هو مشرّعها، وقاضيها، والمنفلت من سلطانها في آن واحد؟
أم أن الوحي ضابطا لها، إذ لم يكن يومًا خصمًا للأخلاق، بل شرط نجاتها الأخير؟
يُطرح سؤال الأخلاق اليوم بوصفه سؤالًا مستقلًا عن الدين، وكأن القيم يمكن أن تُستبقى بعد اقتلاع جذورها. ومع تصاعد الدعوات إلى «أخلاق إنسانية بلا مرجعية غيبية»، يبرز التساؤل الحاسم: هل تستطيع الأخلاق أن تحيا وتستمر بلا وحي، أم أن الوحي هو شرط بقائها لا مجرد خيار إضافي؟
هذا السؤال ليس جدلًا نظريًا، بل مسألة تتعلق بمصير الإنسان حين يصبح هو الحكم الأخير على الخير والشر.
أولًا: الفطرة الأخلاقية وحدودها
يقرّ الإسلام بوجود فطرة أخلاقية مغروسة في الإنسان، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: 30) لكن هذه الفطرة ليست معصومة، بل قابلة للتشويه والانحراف، ولهذا قال النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» (متفق عليه).
فالفطرة تعرّف الإنسان على أصل الخير، لكنها لا تكفي وحدها لبناء نظام أخلاقي ثابت؛ إذ تتأثر بالتنشئة، والسلطة، والمصلحة، والخوف.
ولهذا اختلفت المجتمعات في تعريف العدل، والكرامة، وحتى الإنسان نفسه.
ثانيًا: للعقل قدرة على الفهم لا على الإلزام
العقل أداة عظيمة، وقد كرّمه الوحي واحتجّ به، لكنه ليس مشرّعًا مستقلًا.، فهو تابع لا متبوع في مرجعية الوحي. قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (المؤمنون: 71). فالعقل يستطيع أن يدرك حسن العدل وقبح الظلم، لكنه يعجز عن إلزام الإنسان بالعدل إذا تعارض مع مصلحته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الشرع جاء بما تحار فيه العقول لا بما تحيله العقول» (درء تعارض العقل والنقل) وقال أيضًا: «الأفعال قد تكون حسنة في العقل، لكن لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب إلا بالشرع».
ولهذا قال الفيلسوف ديفيد هيوم: «العقل عبدٌ للعواطف» فالعقل بلا مرجعية عليا يتحول من ضابط أخلاقي إلى أداة تبرير، وقد شهد التاريخ كيف سٌخر العقل لتبرير: الاستعمار باسم التقدم، العبودية باسم التفوق، الإبادة باسم المصلحة العامةـ والعلم المعدل وراثيا باسم التطور.
ثالثًا: الأخلاق النفعية وسقوط الضعيفذ
حين تُفصل الأخلاق عن الوحي، غالبًا ما تُربط بالمنفعة، وهو ما عبّر عنه جيرمي بنثام وجون ستيوارت ميل بمبدأ: «أعظم قدر من السعادة لأعظم عدد من الناس» لكن هذه القاعدة تجعل الأخلاق رهينة الحسابات، لا المبادئ. وقد حذّر القرآن من هذا المنطق حين قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (البقرة: 170) فالمنفعة الجمعية كثيرًا ما تسحق الفرد الضعيف، بينما الوحي يجعل الحق ثابتًا ولو خالف الأكثرية.
رابعًا: الوحي بوصفه الضامن الأخلاقي.
الوحي لا يُنشئ الأخلاق من فراغ، بل: يوقظ الفطرة، ويهذب العقل، ويجعل القيم ملزمة في السر والعلن، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90) وجعل النبي ﷺ الغاية الأخلاقية للدين صريحة حين قال: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
الأخلاق في ظل الوحي لا تعتمد على رقابة القانون فقط، بل على مراقبة الله، ولهذا قال ابن القيم: «الدين كله خُلُق، فمن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الدين».
خامسًا: حين يغيب الوحي… ماذا يتبقى؟
حين يُقصى الوحي: تبقى المفردات الأخلاقية، لكن تُفرغ من معناها، وتُعاد صياغتها بحسب القوة المسيطرة، وقد تنبّه نيتشه مبكرًا إلى هذه النتيجة حين أعلن: «موت الإله يعني سقوط القيم المطلقة»، فغياب الوحي لا يحرر الأخلاق، بل يجعلها سائلة، قابلة للتشكيل، بلا سقف يحميها. فالأخلاق تبدأ بالفطرة، وتُفهم بالعقل، لكنها لا تسلم بلا وحي. فالوحي هو الذي يمنحها: الثبات والقداسة، والقدرة على الصمود أمام الإغراء والقوة، وحين يُطلب من الإنسان أن يكون هو مرجع القيم النهائي، لا يسمو، بل ينهار تحت عبء لم يُخلق لحمله.





