أزمة مفاهيم.. بين إنصاف المرأة وتشويه الفطرة

نعيد نشر هذا المقال، وهو للدكتورة الموقّرة مشاعل آل عايش، في منصتنا الجديدة هنا، بعد أن نُشر سابقًا في موقعنا القديم. وقد أُعيدت مراجعته وتنسيقه في هذه النسخة، مع إدخال تحسينات لغوية وتنظيمية طفيفة، دون المساس بمضمونه أو أسلوب كاتبته، ليكون أكثر سلاسة ووضوحًا، وأسهل قراءةً وفهمًا، بما يحقق تجربة قراءة مريحة للعين والعقل.

يأتي هذا النشر في إطار حرص المجلة على إحياء المواد الفكرية الجادة، وإتاحتها للقارئ في صورة أوضح وأكثر اتساقًا مع معايير النشر الحالية.

هيئة تحرير المجلة – يناير 2026


• مشاعل آل عايش

إن المرأة على يقينٍ تام أن مهمتها الأولى هي الأسرة، أيًّا كان دورها أمًّا أو بنتًا أو زوجة، وهذا الدور لا يمنعها من العلم والمشاركة وبناء الحضارة، ولكن وفق معايير شرعية وقيمية عرفتها المجتمعات الإنسانية بفطرتها — وأقصد الفطرة السوية — غير أن هذا اليقين أخذ يتزعزع تدريجيًا لدى المرأة المعاصرة لعدة أسباب، من أبرزها غياب الوعي الشرعي لدى الرجل والمرأة بحفظ حقوق وواجبات كلٍّ منهما. وقد قاد ذلك إلى تسلط الرجل في بعض الأحيان، وقمع المرأة، وتحجيم دورها فيما هو مباح لها، وبعيدًا عن الإضرار بها، دون فقه أو فهم أو بينة. وليس هذا في حق جميع الرجال، ولكن ذلك تنامى في المجتمعات التي بعدت عن نور الوحي، كالمجتمعات الغربية وأقصى الشرقية.

مما دفع بالمرأة إلى التمرد ومحاولة الخروج على سلطة الرجل، لا سيما القريب منها الذي رأت منه القسوة، بينما كان الرجل البعيد الغريب ناصع الصورة في ذهنها، فكان اقترابها منه في الشارع والعمل والدراسة مطمئنًا لها. هنا انتكست المفاهيم، والعلاقات، والعواطف عند المرأة، فرأت الغريب حافظًا لحقوقها أكثر من القريب.

فكان ذلك من أسباب الصراع بين المرأة والرجل، ونتيجة هذه الأزمة زادت مطالب المرأة، وزادت قسوة الرجل، مما حمل الحكومات والمنظمات على تبنّي صوت المرأة ومنحه الشرعية، إضافة إلى بعض المصالح المادية التي كسبتها الأنظمة الاقتصادية من خروج المرأة، حتى لو كان ذلك على حساب المؤسسة الأولى (الأسرة). ومع الوقت، انعدم اليقين لدى المرأة بتلك المهمة الأولى في أسرتها، نتيجة زحف الشعارات البراقة الخادعة، الداعية إلى المساواة المطلقة والحرية الكاملة، وتشويه دورها الفطري ووصمه بمصطلحات الأسر والقيد، وإلحاق المرأة بطبقة العبيد في مهمتها الأنثوية الأسرية.

ولإعادة تصحيح المفاهيم، لا بد أن يحمل الرجل دورًا بارزًا في التصحيح، بوعيه وفكره وفهمه، وقيامه بحقوقه وواجباته، واحترامه لدور المرأة داخل منظومتها الشرعية. حينها تستطيع المرأة الانطلاق مع الرجل في دور تكاملي لا تنافسي، حينما تعي دورها، وتجد بجانبها رجلًا — أيًّا كان زوجًا أو أبًا أو أخًا أو ابنًا — يعي أيضًا دوره.

فرسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، لم يكن لنساء الأنصار قبل ذلك دور مميز غير مهمتهن الأسرية، فلما أتى رسول الله ﷺ ونقل لهن رجالهن نصوص الوحي وتعاليم الدين، إذا بهن يسطعن نجومًا لامعة في سماء الحياة، بكامل حيائهن ووعيهن وعروبتهن الأصيلة، بل وحملن السبق في كثير من المواطن، كما فعلت أم عمارة في أُحد.

وأخذن يطالبن بالمساواة التي لا تقدح دينًا ولا تثلم مروءة، فتأتي رسولتهن إلى رسول الله ﷺ لتقول له: «غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا من نفسك موعدًا…»

وتُبشَّر أم حرام بنت ملحان بأنها ممن يكنّ في فتح قبرص، وكانت عائشة رضي الله عنها فقيهة زمانها، ومرجع شيوخ الصحابة، وغيرهن كثير رضي الله عنهن.

وأزمة المرأة المعاصرة أنها تعيش أزمة مفاهيم، بين مفاهيم شُوِّهت في نظرها فآمنت بها، ومفاهيم هي زيف في حقها فصدّقت ذلك الزيف، فانقادت له.

ومن أشد تلك الأزمات المفاهيمية المعاصرة أزمة الفكر «النسوي». وكانت بداية تلك الأزمة حينما وُلدت النسوية في المجتمع الغربي من رحم الظلم الاجتماعي للمرأة، وترعرعت هناك وقوي عودها، وقوي معها وضع المرأة الغربية، وبدأ الظلم الاجتماعي يتلاشى شيئًا فشيئًا عنها، لتحصل على الكثير من حقوقها الأسرية والمجتمعية، مع ما في هذا الحصول من تطور غير مسبوق للمجتمعات، أو إهمال كبير لبعض الجوانب المهمة. وليس القصد هنا نقد منظومة حقوق المرأة الغربية، ولكن بعد أن أصبحت الأنظمة الغربية تعترف بحقوق المرأة وفق مطالب نسائهن وموافقة رجالهن، يأتي سؤال مهم لا بد أن تقف الشعوب للإجابة عنه، وهو:

لماذا لا تزال الأنظمة السياسية الغربية، والمؤسسات الاقتصادية، والجمعيات الحقوقية الشاذة، ترعى الفكر النسوي، وتوقد شعلته، وتطوّر أفكاره، وتنتج من التطبيقات الإلكترونية الشاذة الداعمة له الشيء الكثير؟

لا توجد إجابة مقنعة إزاء هذا التكاتف المؤسسي الغربي لدعم الحركة النسوية، إلا الرغبة في الهيمنة العالمية.

فبالرغم من تصالح المرأة الغربية الكبير مع ما وصلت إليه من الحقوق، وما تنعم به المرأة عالميًا، سواء الإسلامية أو غيرها، مع أنظمتها، إلا أن القوى السياسية الغربية رأت أن المرأة هي ورقة الاستعمار المعاصر الرابحة. فقامت تلك الكيانات السياسية، بالتعاون مع مطالب الجمعيات الشذوذية لديهم، ومع بعض آراء المفكرين المعتلّين، بتبنّي كل ذلك وتأجيجه إعلاميًا، زاعمة أن الضغط الشعبي هناك بلغ أواره لتلك المطالب الشاذة المنادية بتعدد الأسرة، وتبديل الأدوار، وإقصاء الرجل، ومناهضة السلطة، والحق في العلاقات المحرمة، بما فيها المثلية، وصوّروا تحقيق ذلك على أنه وجه من وجوه العدالة المجتمعية.

بعدها وصل التوجيه إلى المؤسسات الاقتصادية بأن هذا هو سوقها الرائج وبورصتها الرابحة، فبدأت الأنظمة الاقتصادية تتبنى معطيات الطلب النسوي، بدءًا من الشعارات حتى التوظيف المطلق، مرورًا بجعل العامل الاقتصادي أحد مناطات الظلم العالمي للمرأة في كل الشعوب، واستغلال ذلك مبررًا للتشريعات القانونية الداعية إلى الحرية والمساواة دون قيد أو شرط، مما جعل الأدوار تختل، وتزداد الحياة الروحية انفصامًا في نفس الفرد.

هذا التعاضد المؤسسي الغربي جعل الذكر والأنثى في الحياة الغربية في حالة صراع استهلاكي، وصراع فكري، وصراع علاقات شاذة. ونتيجة لذلك، برزت المؤسسات الإنسانية كمحامٍ أمين لتقول: لا بد من تشريعات قانونية تتيح للمرأة ممارسة هذا الصراع تحت غطاء قانوني آمن، ولا يتأتى ذلك إلا بمعاهدات ملزمة للأنظمة السياسية بالاعتراف وتشريع التدابير.

بعدها لعبت الدعاية الإعلامية دورًا كبيرًا، نتيجة العولمة، وصوّرت أن تلك الحالات الفردية في الشعوب هي الواقع الاجتماعي، ولا بد من إخضاع الجميع للأخذ بالهيمنة والتدابير الغربية، وجعل المنظمات الغربية هي المحتكم في ذلك.

هنا عاد الغرب ليصنع أزمة مفاهيمية ذات منظومة متكاملة من مؤسساته، صُدّرت بعدها إلى العالم بطريقة ناعمة، تحت ظل الدعوات والشعارات البراقة.

ومع كل هذا التكاتف المؤسسي الغربي، هناك صيحات غربية عالية أيضًا تتوالى بين فينة وأخرى، وتظهر لنا وكأنها تتباكى على حال المرأة عالميًا، وهم من جعلوا المرأة عندهم تحت مقصلة السياسي المتطرف، والاقتصادي الطامع. وعند انتهاء دورها لديهم بين مسرح السياسة والدعاية الإعلامية الخادمة للعجلة الاقتصادية، لا أحد ينظر إليها أرملة، أو طاعنة في السن، أو مريضة مقعدة. فهنا تنتهي لعبة النسوية، ويُسدل الستار على مسرح حقوق المرأة، بغية أن يبقى المشاهد العالمي مفتونًا بها فقط: طفلةً تترعرع، وشابةً تتمايع.

فأين الموروثات الدينية هنا؟ وأين القيم الإنسانية التي عاشت بها شعوب الأرض؟ وأين حقوق الفرد والجماعة، ذكرًا وأنثى؟ لا شيء من ذلك يُذكر إذا ذُكرت النسوية.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *